فخر الدين الرازي

90

تفسير الرازي

الصلاة والسلام : * ( ولا تحسبن ) * مع علمه بأن جميع المؤمنين كذلك ، أما إذا حملناه على ثواب القبر حسن قوله : * ( ولا تحسبن ) * لأنه عليه الصلاة والسلام لعله ما كان يعلم أنه تعالى يشرف المطيعين والمخلصين بهذا التشريف ، وهو أنه يحييهم قبل قيام القيامة لأجل إيصال الثواب إليهم . فان قيل : إنه عليه الصلاة والسلام وان كان عالما بأنهم سيصيرون أحياء عند ربهم عند البعث ولكنه غير عالم بأنهم من أهل الجنة ، فجاز أن يبشره الله بأنهم سيصيرون أحياء ويصلون إلى الثواب والسرور . قلنا : قوله : * ( ولا تحسبن ) * إنما يتناول الموت لأنه قال : * ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ) * فالذي يزيل هذا الحسبان هو كونهم أحياء في الحال لأنه لا حسبان هناك في صيرورتهم أحياء يوم القيامة ، وقوله : * ( يرزقون * فرحين ) * فهو خبر مبتدأ ولا تعلق له بذلك الحسبان فزال هذا السؤال . الحجة الرابعة : قوله تعالى : * ( ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ) * والقوم الذين لم يلحقوا بهم لا بد وأن يكونوا في الدنيا ، فاستبشارهم بمن يكون في الدنيا لا بد وأن يكون قبل قيام القيامة ، والاستبشار لا بد وأن يكون مع الحياة ، فدل هذا على كونهم أحياء قبل يوم القيامة ، وفي هذا الاستدلال بحث سيأتي ذكره . الحجة الخامسة : ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في صفة الشهداء : " ان أرواحهم في أجواف طير خضر وانها ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتسرح حيث شاءت وتأوي إلى قناديل من ذهب تحت العرش فلما رأوا طيب مسكنهم ومطعمهم ومشربهم قالوا : يا ليت قومنا يعلمون ما نحن فيه من النعيم وما صنع الله تعالى بنا كي يرغبوا في الجهاد فقال الله تعالى : أنا مخبر عنكم ومبلغ إخوانكم ففرحوا بذلك واستبشروا فأنزل الله تعالى هذه الآية " وسئل ابن مسعود رضي الله عنه عن هذه الآية ، فقال : سألنا عنها فقيل لنا ان الشهداء على نهر بباب الجنة في قبة خضراء ، وفي رواية في روضة خضراء ، وعن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا أبشرك أن أباك حيث أصيب بأحد أحياه الله ثم قال : ما تريد يا عبد الله بن عمرو أن فعل بك فقال يا رب أحب أن تردني إلى الدنيا فأقتل فيها مرة أخرى " والروايات في هذا الباب كأنها بلغت حد التوتر ، فكيف يمكن انكارها ؟ طعن الكعبي في هذه الروايات وقال : إنها غير جائزة لان الأرواح لا تتنعم ، وانما يتنعم الجسم إذا كان فيه روح لا الروح ، ومنزلة الروح من البدن منزلة القوة ، وأيضا : الخبر المروي ظاهره يقتضي أن هذه الأرواح